الاثنين، 12 سبتمبر 2011

الذهاب ألى جرار والتغرب فى أرض فلسطين



رحلة أبراهيم بداية من " أور الكلدانيين الى ارض فلسطين بما فيها رحلته الى ارض مصر ( تتبع الخط الأحمر من فضلك )

الذهاب ألى " جرار "
تقع " جرار" حاليآ  بالقرب من غزة ويوجد مكانها " خربة جرار "  ، وهناك وللمرة الثانية يلجأ " أبراهيم لقول نصف الحقيقة بخصوص علاقته بسارة ، وفى هذه المرة لم يكن أمام فرعون ، بل كان أمام " أبيمالك " .
 ولقد كان الله للمرة الثانية ، يتدخل لحماية عرض أبراهيم ، وكان بيت أبيمالك مصابآ بالعقم فجاء الله لأبيمالك فى حلم بالليل ليمنعه من المساس ب " ساراى " ( تكوين ٢٠ ) ، وعرف من خلال ذلك الحلم مكانة " أبراهيم "  ، فأطلق " ساراى " ( سارة )  و " أبراهيم "  ، وترك لهم حرية الأقامة ، فأقاموا بالقرب منه ، وكان " أبراهيم " و " سارة " قد حصلا فيما قبل على الوعد بولادة " أسحق" ( تكوين١٨ )   ، فولد لهما " أسحق "  ، وكان أول مولود لأبراهيم يأتيه بعد عهد الختان ، فأختتن وهو ابن ثمانية أيام  ، ولكن لما كبر أسماعيل فقد كان يكبر عن " أسحق" بأربعة عشرة سنة  ، ومن الواضح أنه كان أكبر من الطفل " أسحق " فى طفولته المبكرة ، وأن أى صراع كان ينشأ بينهما كأخوة يكون الحاسم فيه قوة أسماعيل ونموه العضلى الجسمانى مما دعا " سارة " للخوف على مستقبل ميراث " أسحق " من أبيه ، حيث عايشت بنفسها قدرة " أسماعيل على حسم أى خلاف لصالحه   ، فطلبت من " أبراهيم " زوجها أن يطرد الجارية " هاجر " مع أبنها.
وربما يرى القارىء بعض القسوة فى هذا القرار بحسب وجهة نظره هذه الأيام الحاضرة ، ألا أن هذا القرار كان فى عرف تلك الأيام يعبر عن الرحمة والحكمة معآ  ، فأما الحكمة فكانت لتلافى حدوث أى منازعات مستقبلية بين الأخوين ، وأما الرحمة فكانت  لأنه فى عرف تلك الأيام كان يعنى أطلاق الجارية تحيرآ لها من نير العبودية ، لكى تكون حرة دون الألتزام بأوامر سيدتها وهى " سارة ".
والجدير بالذكر أن هذه المرة لم تكن هى المرة الأولى التى تترك فيها " هاجر " سيدتها ، فقد سبق لها أن هربت منها ، وسارت فى نفس الطريق الذى أختارته للعودة لديارها فى " مصر " ( تكوين ١٦  )  ، ولكنها لم تتوغل كثيرآ  ، حتى وصلت ألى " بئر لحى " شمال "بئر سبع "  ، ولكنها فى المرة الأخيرة عندما أدركت أنها نالت حريتها كانت على ما يبدو فى أستعجال للوصول ألى موطنها فى أرض مصر فأنحرفت جنوبآ عند بئر سبع " ففرغ منها الماء الذى أخذته من أبراهيم فى قربة  ، وأشار أليها الملاك ألى " بئر سبع " حيث أرتوت وأروت أبنها ، وكان فتى شابآ ، والواضح أن علاقة أسماعيل بأبيه لم تنته ، فها هو أبراهيم يتدخل لفض منازعة قامت مع " أبيمالك بشأن ملكية هذا البئر ، وذبح سبع نعاج مما أعطى لهذا البئر أسمه  ( تكوين ٢١  :٢٨ - ٣١  ) .

28وَأَقَامَ إِبْرَاهِيمُ سَبْعَ نِعَاجٍ مِنَ الْغَنَمِ وَحْدَهَا. 29فَقَالَ أَبِيمَالِكُ لإِبْرَاهِيمَ: «مَا هِيَ هذِهِ السَّبْعُ النِّعَاجِ الَّتِي أَقَمْتَهَا وَحْدَهَا؟» 30فَقَالَ: «إِنَّكَ سَبْعَ نِعَاجٍ تَأْخُذُ مِنْ يَدِي، لِكَيْ تَكُونَ لِي شَهَادَةً بِأَنِّي حَفَرْتُ هذِهِ الْبِئْرَ». 31لِذلِكَ دَعَا ذلِكَ الْمَوْضِعَ «بِئْرَ سَبْعٍ»، لأَنَّهُمَا هُنَاكَ حَلَفَا كِلاَهُمَا.
لقد كانت نية " هاجر " هى الوصول لمصر ، ولكنها تقاعست بعد أدراكها لحماية الرب لها فى هذه البقعة ، فكان سكن "أسماعيل " من " حويلة " عند العقبة ، ألى " شور " عند العريش  ، ويعقب الكتاب على ذلك بأنه أمام أخوته نزل أى أمام سائر أبناء أبراهيم ومن بينهم " أسحق "  ، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر ( تكوين ٢١  : ٢٠  20وَكَانَ اللهُ مَعَ الْغُلاَمِ فَكَبِرَ، وَسَكَنَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَكَانَ يَنْمُو رَامِيَ قَوْسٍ
 ، ٢٥  : ١٨ 
 18وَسَكَنُوا مِنْ حَوِيلَةَ إِلَى شُورَ الَّتِي أَمَامَ مِصْرَ حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ أَشُّورَ. أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ نَزَلَ.
 ، وكان حاضرآ فى دفن والده " أبراهيم " بما يقطع بقرب مكان سكنه
 ( تكوين ٢٥  : ٩  )
 9وَدَفَنَهُ إِسْحَاقُ وَإِسْمَاعِيلُ ابْنَاهُ فِي مَغَارَةِ الْمَكْفِيلَةِ فِي حَقْلِ عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ الْحِثِّيِّ الَّذِي أَمَامَ مَمْرَا، 
 ، وكانت قبائله تعمل فى التجارة بين مصر " والشام " ، وقد أشتروا " يوسف كعبد من " المديانيون " أبناء عمومتهم ليبيعوه للمصريين
 ( تكوين٣٩  : ١  )
وَأَمَّا يُوسُفُ فَأُنْزِلَ إِلَى مِصْرَ، وَاشْتَرَاهُ فُوطِيفَارُ خَصِيُّ فِرْعَوْنَ رَئِيسُ الشُّرَطِ، رَجُلٌ مِصْرِيٌّ، مِنْ يَدِ الإِسْمَاعِيلِيِّينَ الَّذِينَ أَنْزَلُوهُ إِلَى هُنَاكَ.
 بيد أن هناك الكثير من المفسرون الذين يذهبون ألى أن المديانيون هم الذين أشتروه ثم باعوه للمصريين  بدليل ما جاء فى
 ( تكوين ٣٧  : ٣٦ )
36وَأَمَّا الْمِدْيَانِيُّونَ فَبَاعُوهُ فِي مِصْرَ لِفُوطِيفَارَ خَصِيِّ فِرْعَوْنَ، رَئِيسِ الشُّرَطِ.
، وأن التعبير " أسماعيليون أنما كان يشير لحالة " المديانيون " كقبائل رحل تعمل فى التجارة على غرار الأسماعيليون .

التغرب فى أرض فلسطين
الكتاب المقدس لا يخبرنا بالكثير من الأحداث والمواقع التى كان " أبراهيم" موجودآ بها أو مؤثرآ فيها - بعد الحديث عن وفادته لأرض كنعان وزيارته الطارئة لكل من المصريين والفلسطينيين - عدا حديثه عن ذهابه ل "أرض المريا" و"بئر سبع " و " قرية أربع " أى " حبرون " و " بئر لحى ".
فقد ذهب ألى " أرض المريا " بسبب عزمه على تقديم " أسحق " أبنه ذبيحة أنصياعآ لأمر الله ، لولا أن الله أبدل " أسحق" بالكبش الذى أحضر من الغابة فوق الجبل فأطلق عليه " أبراهيم " أسم " يهوه يرأه" أى الرب يرى ( بضم الميم ) .
أما أرض المريا فقد كانت أرضآ جبلية ، تنمو فيها بعض الأشجار ، حيث دفن " يعقوب" فيما بعد بعض الأصنام ، وهى تقع بالقرب من " شكيم" أى " تل بلاطة " حاليآ .
وفى هذا المكان تعلم " أبراهيم " أعظم درس فى العقيدة بخصوص الله وعلاقته مع الأنسان ، فالله يعاقب الخطية بالموت ، لكن عظمة محبته للبشر تدعوه لقبول بديل عن موت الأنسان ، من خلال ذبيحة بديلة ، وكانت تشير لفداء المسيح الذى جاء فى ملء الزمان.
ثم تحول " أبراهيم من " شكيم" ألى "بئر سبع " ، ويبدو أنه كان يقيم فى "بئر سبع " ، وما كان ذهابه ألى " شكيم " ألا لمجرد الذهاب ألى " جبل المريا" ، أما زوجته وكل ما له فكان فى " بئر سبع".
وهنا يتضح أن عملية أرتحال " أسماعيل" ووالدته لم يكن أرتحالآ كما يظنه الكثيرون ، بل كان مجرد أنفصال فى التبعية ، وحظرآ من مشاركة " أسحق" فى الميراث فيما بعد ، فقد كان " أبراهيم " و أسماعيل " يعيشان حياة البداواة ، التى تتطلب الكثير من التنقل ، وكان هذا التنقل يقودهم أحيانآ للتجاور ، حيث صارت حدود " أسماعيل "شرقآ لا تتجاوز " بئر سبع " بينما كان " أبراهيم يقيم بالقرب من خيام " أسماعيل" من آونة لأخرى .
وفى "بئر سبع "  بلغ " أبراهيم " أسماء أولاد أخيه " ناحور " وكان أصغرهم هو " بتوئيل " وهو والد " رفقة" التى صارت زوجة ل " أسحق " فيما بعد .
 ألا أن " أبراهيم " حمل كل ما كان له وأنتقل ألى " حبرون" ( الخليل ) ، حيث توفيت زوجته " سارة " .
لقد توفيت " سارة" عن عمر ناهز المئة والسابع والعشرين عامآ ، وحيث توفيت، بحث " أبراهيم " لها عن مدفن ، فلم يجد غير " مغارة المكفيلة " ومعناها فى العبرانية (المغارة المزدوجة)  ، وكانت تقع فى ملكية " عقرون الحثى " الذى كان على أستعداد للتنازل عنها بدون مقابل ل " أبراهيم " . ألا أن " أبراهيم" أصر على شرائها بنفس الطريقة التى أعتاد التجارالحثيون فى أجراء صفقاتهم مع غيرهم، ولذلك صارت مغارة المكفيلة ملكآ ل" أبراهيم " بعد دفعه لأربعمائة شاقل ( وحدة موازين ) من الفضة .

فى هذه المغارة دفنت " سارة " و"أبراهيم" بعد ذلك ، ثم أبنه " أسحق " و زوجته " رفقة " ثم دفن " يعقوب " بواسطة " يوسف" أبنه
 تكوين ٤٩  : ٣١  
31هُنَاكَ دَفَنُوا إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ امْرَأَتَهُ. هُنَاكَ دَفَنُوا إِسْحَاقَ وَرِفْقَةَ امْرَأَتَهُ، وَهُنَاكَ دَفَنْتُ لَيْئَةَ.
 كما أوصى " يوسف" بدفنه بها فحمل بنو أسرائيل عظامه معهم عند خروجهم من أرض مصر ، ولكن من غيبر المؤكد أنهم يكونوا قد قاموا بدفنه فى " مغارة المكفيلة" ( خروج ١٣ : ١٩  ) .

19وَأَخَذَ مُوسَى عِظَامَ يُوسُفَ مَعَهُ، لأَنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَحْلَفَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِحَلْفٍ قَائِلاً: «إِنَّ اللهَ سَيَفْتَقِدُكُمْ فَتُصْعِدُونَ عِظَامِي مِنْ هُنَا مَعَكُمْ».
وقد شيد "هيرودس الكبير " صرحآ لتلك المغارة ، ولكنه خرب تقريبآ قبل غزو "القدس" ، حيث أقيم " الحرم الأبراهيمى ".
ف"مغارة المكفيلة" تقع تحت الجزء الجنوبى للحرم ، وهى عبارة عن كهف طوله١٩٧   قدم وعرضه ١١١  قدم ، وهناك شبه أجماع على أن " أسحق " كان مستقلآ فى حياته - ولا سيما بعد زواجه - عن والده حيث أقام فى "بئر لحى "  ذلك المكان الذى سبق ل" هاجر" الهروب أليه من سيدتها ، وهو يقع بالقرب من المكان الذى يسمى " بئر المويلحى " فى الطريق ألى "بئر سبع " ، فبينما كان " أبراهيم " فى موقع قريب من "مغارة المكفيلة " مع "قطورة" ، زوجته الثالثة ، والتى ولدت له " زمران" و" يقشان" و " مدان " و " مديان " و " يشباق" و " شوحا "  ، كان " أسحق" مستقرآ مع عروسه التى جلبها له " أليعازار الدمشقى " فأستعاض بها عن أمه " رفقة " بينما أستعاض " أبراهيم" عن " رفقة " ب"قطورة".
 لقد كانت سنى حياة "رفقة" مئة وسبع وعشرون سنة ، وكان "أبراهيم" وقتها فى عمر المئة والسبع والثلاثين عامآ ، وفى
( تكوين ٢٥  :١  - ٦  )
1وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ زَوْجَةً اسْمُهَا قَطُورَةُ، 2فَوَلَدَتْ لَهُ: زِمْرَانَ وَيَقْشَانَ وَمَدَانَ وَمِدْيَانَ وَيِشْبَاقَ وَشُوحًا. 3وَوَلَدَ يَقْشَانُ: شَبَا وَدَدَانَ. وَكَانَ بَنُو دَدَانَ: أَشُّورِيمَ وَلَطُوشِيمَ وَلأُمِّيمَ. 4وَبَنُو مِدْيَانَ: عَيْفَةُ وَعِفْرُ وَحَنُوكُ وَأَبِيدَاعُ وَأَلْدَعَةُ. جَمِيعُ هؤُلاَءِ بَنُو قَطُورَةَ. 5وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ. 6وَأَمَّا بَنُو السَّرَارِيِّ اللَّوَاتِي كَانَتْ لإِبْرَاهِيمَ فَأَعْطَاهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَطَايَا، وَصَرَفَهُمْ عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِهِ شَرْقًا إِلَى أَرْضِ الْمَشْرِقِ، وَهُوَ بَعْدُ حَيٌّ.
 يخبرنا الكتاب أن " أبراهيم" كانت له سرارى أخرى غير " هاجر" وغير زوجته " سارة" وغير " قطورة " أنجبن له أولاد ، لم يذكر الكتاب أسمائهم لعدم تأثيرهم فى تاريخ شعب الله فيما بعد ،  ومن الواضح أن مصيرهم كان الأختلاط مع شعوب المنطقة بالنسب والمصاهرة  ، وقد صرف " أبراهيم" أولئك جميعآ مع أبناء "قطورة" بعدما أجزل لهم العطايا نحو الشرق لئلا يزحموا أبنه " أسحق" فى الميراث ، حال حياته ، ولم يكن قريبآ منهم أليه غير " مديان " الذى سكن على الناحية الأخرى لسكنى " أسماعيل " أخيه ، ولما توفى " أبراهيم" ودفنه " أسحق" و " أسماعيل" أبناه كان قد بلغ سن المئة والخمس والسبعون عامآ ، فقد كان " أسحق يسكن عند " بئر لحى "  ومعنى أسماها (من يعيش ويرى) ،القريبة من " بئر سبع" حيث كان يسكن "أسماعيل"
د.ق.جوزيف المنشاوى